عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

19

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

منظر ( اعبد اللّه كأنك تراه ) وهو باب المناظر كلها ، فيها تهب نفحات الرحمن على المتعرضين لها بقوابلهم ، فيؤخذ العبد من استعماله ، في ظاهر أعماله ، بأركان العبادات ، إلى هذا المنظر العلي ، والمشهد السني ، فتتصور له حضرة الحق تعالى ، بكبريائه وعظمته . فلا يأتي عملا إلا وهو مأخوذ عن ذلك العمل ، لغلبة حال الدهش على قلبه . ويكون سائر أحواله ، وأفعاله ، وأقواله كلها عبادات . لأنه مأخوذ عنها إلى تصور الحضرة الإلهية ، فهو مشاهد لذلك التصور بحقيقته ، في سائر أموره . وفي هذا المنظر يفتح عليه : بعلوم الاصطلام ، ويكشف له عن أسرار الحق تعالى في ظواهر المخلوقات : - فيقرأ رقوم كتابة أسماء اللّه ، تعالى ، على صفحات وجوه المخلوقات . - ويعلم السر الذي أخذ بالعالم إلى ما أخذهم ، فيما هم عليه ، فلا يرى قبيحا في الوجود بأسره . آفة هذا المنظر : هو ذلك التصور ، لأنه تعمل ، ولو كان ضروريا ، فإنه لا على الكشف ، بل هو على الحجاب ولأجل ذلك يتحقق هو في نفسه ، أنه مشاهد لما يشاهده بإيمانه ، لا بقلبه ، فليس فيه من الشهود إلا وهو اليقين بعلم ما آمن به ، وهو حجاب . ومنه ينتقل إلى المراقبة . * * * منظر ( المراقبة ) هو شهود العبد ، بقلبه ، لحضرة الحق تعالى ، فتظهر له ، حينئذ ، حقارة نفسه ، وعجزها ، وصغرها ، وذلها ، تحت بروز عظمة الحق تعالى ، وقوته ، وكبريائه ، وعرته . فيأخذه الصعق في هذا المشهد ، فإذا رجع عنه إلى نفسه ، وجد عنده من العلوم : معرفة قدر اللّه تعالى ، على قدر قوة ما له من القابلية . فتكون عنده من العلوم : معرفة عجز المخلوقين ، وحقارتهم ، ويفتح عليه من هذه المعاني بأنواع العلوم الذوقية .